أحمد بن محمد القسطلاني
162
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
لنفسه طيبًا فليستعمل من طيب امرأته ، وزاد فيه : " ويلبس من صالح ثيابة " ، ولابن عساكر : ويمسّ من طيب بيته ( ثم يخرج ) زاد ابن خزيمة ، عن أبي أيوب : إلى المسجد ، ولأحمد من حديث أبي الدرداء : ثم يمشي وعليه السكينة ( فلا يفرق بين اثنين ) في حديث ابن عمر عند أبي داود ، ثم لم يتخطّ رقاب الناس ، وهو كناية عن التبكير ، أي : عليه أن يبكر فلا يتخطى رقاب الناس ، أو المعنى ، لا يزاحم رجلين فيدخل بينهما ، لأنه ربما ضيق عليهما ، خصوصًا في شدة الحرّ واجتماع الأنفاس ، ( ثم يصلّي ما كتب له ) أي فرض من صلاة الجمعة ، أو قدر فرضًا أو نفلاً . وفي حديث أبي الدرداء : " ثم يرجع ما قضى له ، وفي حديث أبي أيوب : " فيركع إن بدا له " . وفيه مشروعية النافلة قبل صلاة الجمعة . ( ثم ينصت ) بضم أوله من : أنصت ، وفتحه من : نصت ، أي سكت ( إذا تكلم الإمام ) أي : شرع في الخطبة ، زاد في رواية قرثع ، بقاف مفتوحة وراء ساكنة ثم مثلثة ، الضبي ، بالمعجمة والموحدة ، عند ابن خزيمة : حتى يقضي صلاته ( إلا غفر له ما بينه ) أي ما بين الجمعة الحاضرة ( وبين الجمعة الأخرى ) الماضية . أو المستقبلة . لأنها تأنيث الآخر بفتح الخاء لا بكسرها والمغفرة تكون للمستقبل كما للماضي قال الله تعالى : { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [ الفتح : 2 ] . لكن في رواية الليث ، عن ابن عجلان ، عند ابن خزيمة ما بينه وبين الجمعة التي قبلها . وزاد في رواية أبي هريرة عند ابن حبان ، وزيادة ثلاثة أيام من التي بعدها . والمراد : غفران الصغائر لما زاده في حديث أبي هريرة عند ابن ماجة : ما لم تغش الكبائر ، أي فإنها إذا غشيت لا تكفر ، وليس المراد أن تكفير الصغائر مشروط باجتناب الكبائر ، إذ اجتناب الكبائر بمجرده يكفر الصغائر ، كما نطق به القرآن العزيز في قوله : { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } [ النساء : 31 ] أي : كل ذنب فيه وعيد شديد { نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } [ النساء : 31 ] أي نمح عنكم صغائركم . ولا يلزم من ذلك أن لا يكفر الصغائر إلا اجتناب الكبائر ، فإذا لم يكن له صغائر تكفر ، رجي له أن يكفر عنه بمقدار ذلك من الكبائر ، وإلا أعطي من الثواب بمقدار ذلك . وقد تبين بمجموع ما ذكر : من الغسل والتطيب إلى آخره أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميعها . ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون ، وفيه ثلاثة من التابعين ، إن لم يكن ابن وديعة صحابيًّا ، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة . 884 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ طَاوُسٌ : " قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ : ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَمَّا الْغُسْلُ فَنَعَمْ ، وَأَمَّا الطِّيبُ فَلاَ أَدْرِي " . [ الحديث 884 - طرفه في : 885 ] . وبه قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع ( قال : أخبرنا شعيب ) هو : ابن حمزة ( عن ) ابن شهاب ( الزهري ، قال طاوس ) هو : ابن كيسان الحميري الفارسي اليماني ، قيل : اسمه ذكوان . وطاوس لقبه : ( قلت لابن عباس ) رضي الله عنهما ( ذكروا ) يحتمل أن يكون المبهم في : أبا هريرة لرواية ابني خزيمة وحبان والطحاوي ، من طريق عمرو بن دينار عن طاوس ، عن أبي هريرة ، نحوه ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( اغتسلوا يوم الجمعة ) إن كنتم جنبًا ( واغسلوا رؤوسكم ) تأكيد : لاغتسلوا ، من عطف الخاص على العامّ ، لينبّه على أن المطلوب الغسل التام ، لئلا يتوهم أن إفاضة الماء دون حل الشعر مثلاً تجزئ في غسل الجمعة ، أو المراد بالثاني : التنظيف من الأذى . واستعمال الدهن ونحوه . ( وإن لم تكونوا جنبًا ) فاغتسلوا للجمعة ، ولفظ الجنب يستوي فيه المذكر والمؤنث ، والمفرد والمثنى والجمع ، قال تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } [ المائدة : 6 ] ( وأصيبوا من الطيب ) من للتبعيض قائم مقام المفعول ، أي : استعملوا بعض الطيب . وليس في هذه الرواية ذكر الدهن المترجم له ، ويحتمل أن المؤلّف أراد أن حديث طاوس عن ابن عباس واحد ، وقد ذكر فيه إبراهيم بن ميسرة : الدهن ، ولم يذكره الزهري ، وزيادة الثقة الحافظ مقبولة . ( قال ابن عباس ) مجيبًا لطاوس عن قوله : ذكروا . . . إلخ ( أما الغسل المذكورة فنعم ) قاله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وأما الطيب فلا أدري ) أي : فلا أعلم . قاله عليه الصلاة والسلام أم لا ، لكن رواية صالح بن أبي الأخضر عن الزهري ، عن عبيد بن السباق عند ابن ماجة مرفوعًا : " من جاء إلى الجمعة فليغتسل وإن كان له طيب فليمس منه " . تخالف ذلك ، لكن صالح ضعيف ، وقد خالفه مالك ، فرواه عن الزهري عن عبيد بن السباق ، مرسلاً . 885 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ : أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ : " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ : أَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ ؟ فَقَالَ : لاَ أَعْلَمُهُ " . وبه قال : ( حدّثنا